banner_x-pro1

إعلانات

الأخبار المحلية والعالمية
لاستقبال الاخبار والنشاطات الضوئية لنشرها بموقع النادي يمكن مراسلتنا على البريد: NEWS@MEPC.ME

الإيجاز والإطناب في التصوير الفوتوغرافي

السبت, 07 آذار/مارس 2015 19:06 الكاتب: نورا العلي


كتبه: سلافة الفريح

للبلاغة العربية فنون ومذاهب يعرفها أرباب اللغة وفرسان الأدب شعره ونثره؛ يطرزون بها نفائس الكتب والدواوين والخطب فيما تلذ الأسماع وتطرب الأفئدة. شذرات بلاغية تجمّل اللغة العربية ابتداءً بأعلى مستويات الإعجاز اللغوي "القرآن الكريم" ومروراً بالنص الأدبي وانتهاء بكلام البشر العادي. ومن فنون البلاغة مايعرف ب"الإيجاز" وهو التعبير عن الكثير من المعاني بألفاظ قليلة دون الإخلال بالمعنى لغرض بلاغي؛ وعكسه "الإطناب" وهو التعبير باللفظ الكثير عن المعاني القليلة لغرض بلاغي أيضاً وإلا فسيكون ثرثرة تخلّ بالعمل الأدبي؛ وثالثهما "المساواة" وهو تساوي اللفظ مع المعنى.

ومع أن "البلاغة هي الإيجاز" كما يقول البلاغيون إلا أن بعض الأغراض البلاغية تستدعي الإطالة في الألفاظ؛ والأمثلة كثيرة في القرآن الكريم وعند العرب من أهل الفصاحة والبيان. وبحسب طبيعة شخصية الأديب إما يميل في أسلوبه للإيجاز بقسميه إيجاز الحذف وإيجاز القصر؛ أو يميل للإطناب والإسهاب دون الإخلال بنسيج النص الأدبي.

وإذا اعتبرنا التصوير الفوتوغرافي هو الفرع الثالث للأدب مع شقيقيه الشعر والنثر -وأنا أراه كذلك- فإنه ينطبق عليه كل فنون البلاغة بما فيها الإيجاز والإطناب! فعناصر الصورة هي بالضبط مفردات الجملة "الألفاظ" التي يستخدمها المصور للتعبير الضوئي؛ ولكي ترتقي لدرجة "الأدب الفوتوغرافي" لابد أن تكون بليغة! بمعنى تكوين الصورة (ترتيب العناصر) وعددها يجب أن يكون متناسقاً في الحجم واللون والشكل ومتناغماً مع الهدف من الصورة بحيث تستحسنه العين ويحدث تأثيراً في النفس.

وهناك أنواع في التصوير يكثر فيها الإيجاز كالتصوير المفاهيمي والماكرو والتجريد والبورتريه مثلاً، فالماكرو الذي يركز على جزئية مقتطعة من عنصر ما يشبه كثيراً إيجاز الحذف الذي يحذف بعض المفردات لوجود ما يدل عليها لهدف بلاغي؛ أما البورتريه فيشبه إيجاز القصر باستخدام القليل من العناصر دون حذف شيء منها. وفي المقابل يكثر الإطناب في أنواع تصوير حياة الشارع واللاندسكيب الذي يحتوي الكثير من العناصر (المفردات) من شرائح الناس وتفاصيل الأمكنة والتناقضات الإنسانية ومفردات الطبيعة التي تزيد العمل قوة وجمالاً إذا أحسن المصور إخراج الفكرة بالتكوين والإضاءة المتوازنة "وليست المتساوية".

وكما أن هناك أخطاء بلاغية يقع فيها الكُتّاب في الحشو اللفظي أو قصر اللألفاظ التي تخل بالمعنى؛ بالمقابل هناك أخطاء تكوينية في مفردات الصورة. فمثلاً حين يضع المصور في تصوير عمل ستل لايف "طبيعة صامتة" ورد جوري على يمين الكادر وزهور التوليب على يساره وطبق البيض في الوسط بجانبه زجاجات الشطة الحارة ويضع جريدة "الرياض" في المقدمة وكوب القهوة في الخلف.. فهذه الصورة فيها إطناب غير بلاغي أو ثرثرة ضوئية تسيء إلى العمل الفني حتى لو كانت الإضاءة بديعة. وهذا ما نراه كثيرا على صفحات الأنستقرام ويلقى استحساناً من العامة وهو في الحقيقة تشويه للذوق الضوئي؛ تماماً كالأغاني الهابطة التي يحبها الجمهور بسبب الإيقاع.

مثال آخر في تصوير البورتريه لو جعل المودل تحمل في يمينها مروحة يدوية أنيقة وفي الأخرى وردة جميلة وتلتف حول معصمها عقود اللؤلؤ؛ تصبح هنا ثرثرة ضوئية بسبب كثرة العناصر وتشتتها وإطناب ضوئي في غير محله! فتلك الاكسسوارات الأنيقة هي سلاح ذو حدين ينبغي التعامل معها بحذر؛ وكلما كان الإيجاز الضوئي بليغاً كلما كانت الصورة أقوى تأثيراً.

أرباب التصوير المفاهيمي هم أكثر المصورين استخداماً لفن الإيجاز لأغراض فلسفية تناسب الفن المفاهيمي من تأمل عقلاني نقدي يحوّل الفكرة المجردة إلى واقع ملموس يعتمد أحياناً المحاكاة الساخرة. فالفن المفاهيمي هو فن حدسي وخيالي، يعتمد على الفكر النقدي أو الساخر. ويكفي المصور هنا عنصراً أو عنصرين مع التلاعب بالضوء والظل لخلق صورة مذهلة تجعلك تتأمل البعد الآخر الخفي الذي يريد تحريك عقلك. فعدد العناصر هنا محدد ومحسوب ولا مجال فيه للإطناب.

إنها بلاغة الصورة التي تستخدم مفردات الضوء كقطعة المغناطيس التي توجه عقلك ووجدانك وتؤثر بهما. ولابد أن يكون الإيجاز بنوعيه "القصر والحذف" والإطناب كذلك لغرض بلاغي وإلا فستفقد الصورة قوتها وتصبح مبتورة لا معنى لها أو ثرثرة ضوئية لا قيمة لها؛ وما بين البتر والثرثرة يتسلل الضوء الجميل.

المصدر: جريدة الرياض

إضافة تعليق


مود الحماية
تحديث